سيد محمد طنطاوي
173
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي : « هذا » إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم « ذكر » أي : شرف لهم . . . والمراد أن في ذكر قصصهم . . . شرف عظيم لهم . أو المعنى : هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن ، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر ، كما يقول الجاحظ في كتبه : فهذا باب ، ثم يشرع في باب آخر . ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر : هذا ، وكان كيت وكيت ، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل ذلك كثيرا ، وعليه * ( هذا وإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ . . ) * « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) * بيان لما أعده لهم - سبحانه - في الآخرة من عطاء جزيل ، وثواب عظيم . والمآب : اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع ، والمراد بالمتقين : كل من تحققت فيه صفة التقوى والخوف من اللَّه - تعالى - وعلى رأسهم الأنبياء الذين اصطفاهم اللَّه - تعالى - واختارهم لتبليغ رسالته . أي : وإن للمتقين في الآخرة لمنزل كريم يرجعون إليه في الآخرة . فيجدون فيه ما لا عين رأت . ولا أذن سمعت . ولا خطر على قلب بشر . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( هذا ذِكْرٌ ) * يعود إلى ما ذكره - سبحانه - في الآيات السابقة ، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم . والذكر : الشرف والفضل . أي : هذا الذي ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم ، وذكر جميل يذكرون به إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها . ثم فصل - سبحانه - ما أعده لهم في الآخرة من تكريم فقال : * ( جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوابُ ) * . والعدن في اللغة : الإقامة الدائمة في المكان . يقال : عدن فلان بمكان كذا ، إذا أقام به إقامة دائمة . وجنات : بدل اشتمال من قوله : * ( لَحُسْنَ مَآبٍ ) * . أي : هؤلاء المتقون أكرمناهم في الدنيا بالذكر الحسن . ونكرمهم في الآخرة بأن ندخلهم جنات عظيمة دخولا دائما مؤبدا ، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم . والحفاوة بمقدمهم .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 212 .